ابن قيم الجوزية
221
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قام بهم - واللّه - الرياء . وهو أقبح مقام قامه الإنسان . وقعد بهم الكسل عمّا أمروا به من أوامر الرحمن . فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلا وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النّساء : 142 ] . أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين ، تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة . ولا تستقر مع إحدى الفئتين . فهم واقفون بين الجمعين . ينظرون أيّهم أقوى وأعزّ قبيلا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ( 143 ) [ النّساء : 143 ] . يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن . فإن كان لهم فتح من اللّه ، قالوا : ألم نكن معكم ؟ وأقسموا على ذلك باللّه جهد أيمانهم . وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب ، قالوا : ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم . وأن النسب بيننا قريب ؟ فيا من يريد معرفتهم ، خذ صفاتهم من كلام رب العالمين . فلا تحتاح بعده دليلا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ( 141 ) [ النّساء : 141 ] . يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه . ويشهد اللّه على ما في قلبه من كذبه ومينه . فتراه عند الحق نائما . وفي الباطل على الأقدام . فخذ وصفهم من قول القدوس السلام وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) [ البقرة : 204 ] . أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد . ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد . وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) [ البقرة : 205 ] . فهم جنس بعضه يشبه بعضا . يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه ، وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه ، ويبخلون بالمال في سبيل اللّه ومرضاته أن ينفقوه . كم ذكّرهم اللّه بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه ؟ وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه ؟ فاسمعوا أيها المؤمنون الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 ) [ التّوبة : 67 ] . إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين . وإن دعوتهم إلى حكم كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم رأيتهم عنه معرضين . فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا . ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) [ النّساء : 61 ] . فكيف لهم بالفلاح والهدى ! بعد ما أصيبوا في عقولهم وأديانهم ؟ وأنى لهم التخلص من الضلال والردى ! وقد اشتروا الكفر بإيمانهم ؟ فما أخسر تجارتهم البائرة ! وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) [ النّساء : 62 ] .